الشنقيطي
353
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان ، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعا من تأثير العلة في الحكم - فلا يقال هذه العلة منقوضة ؛ لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة ، بل هي علة منع من تأثيرها مانع ؛ فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع . وكذلك من زوج أمته من رجل ، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها ؛ فإن الولد يكون حرا ، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعا ؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها ؛ لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد . وكذلك الزنى : فإنه علم للرجم إجماعا . فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هي الرجم ، ونعني بذلك الشرط الإحصان ؛ فلا يقال إنها علة منقوضة ، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها . وأمثال هذا كثيرة جدا ؛ هكذا قاله بعض المحققين . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر : أن آية « الحشر » دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقا ، واللّه تعالى أعلم . ونعني بآية « الحشر » قوله تعالى في بني النضير : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) [ الحشر : 3 ] . ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الحشر : 4 ] الآية . وقد يوجد بعض من شاق اللّه ورسوله ، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير ، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة اللّه ورسوله . فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها . والعلم عند اللّه تعالى . أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا فهو تخصيص للعلة إجماعا لا نقض لها ؛ كما أشار له في الأبيات بقوله : * والوفق في مثل العرايا قد وقع * قال مقيده عفا اللّه عنه : الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي : هل يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا ، وأن اللّه يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها ؛ فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا . ومن امتنع دخل النار وعذب فيها ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا ؛ لأن اللّه يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل . وإنما قلنا : إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين :